حياته التعليمية
حياته التعليمية حياته التعليمية
حياته التعليمية

 في العام الخامس لصاحب الجلالة السلطان قابوس- يحفظهالله بدأ والده يهتم بأمور تهيئته وتعليمه فتعاقب في ذلك العام مدرسان احدهما كانضمن العاملين في المعمورة وهو حسن الجمالي والثاني كان قد عاد لتوه من بعثة دراسيةفي مصر

فأناط به جلالة السلطان سعيد بن تيمور مهمة تدريس نجله المبارك وهو الأستاذ إبراهيم الحكيم. وفي العام السادس هم والده بارساله للخارج في إطار مشورة في بيته, ولكنه بقي مترددا اذ رأى أن نجله في هذه السن المبكرة من الافضل ان يتلقى تعليمه في بلده. وقد أصدر جلالة السلطان سعيد توجيهاته للاستاذ حفيظ بن سالم الغساني رحمه الله مدير المدرسة السعيدية في ذلك الوقت باسناد مهمة تعليم نجله ووضع برنامج يتناسب وانشغاله بالعمل كمدير للمدرسة السعيدية وترتيب موعد يناسب نجل جلالته. 
 
وقد بدأ المنهج الدراسي بفاتحة الكتاب وألف باء الكتابة وأسهمت شخصية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم في التفوق على عمرها. اذ اظهر قدرا رائعا من الاستيعاب والفهم والحفظ. وقد صادف أن صدر التكليف من جلالة والده بمهمة التعليم فيما كان السلطان سعيد يعتزم السفر لمسقط والسفر في ذلك الزمان لمسقط ليس بيسر السفر هذه الايام اذ تستغرق مهمة السلطان ذهابا وايابا وادارة اموره هناك ما يزيد على العام. ولدى عودته تابع مستوى تحصيل نجله فكان سروره لا يوصف ورضاه فوق الوصف. 
 
ولقد تواصل الاستاذ حفيظ الغساني رحمه الله مع جلالته حتى عام 1958 حينها بدأ حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم رحلة اكمال الدراسة في بريطانيا. حيث أمضى عامين في مؤسسة تعليمية خاصة في (سافوك) والتحق بعدها- أي في عام 1960 بأكاديمية (سانت هيرست ) الملكية العسكرية كضابط مرشح , تخرج منها بعد سنتين لينضم جلالته إلى احدى كتائب المشاة البريطانية العاملة آنذاك في ألمانيا الغربية . بعد أن أكمل جلالته العلوم العسكرية عاد إلى بريطانيا, حيث درس لمدة عام واحد في مجال نظام الحكم المحلي واكمل دورات متخصصة في شؤون الإدارة. ثم هيأ له والده الفرصة فقام بجولة حول العالم لمدة ثلاثة أشهر. بعدها عاد إلى البلاد عام 1964م. 
 
كان جلالته منذ صغره قارئا للتاريخ مهتما به أيما اهتمام وفي اللقاء المبارك الذي جمعه بطلاب جامعة السلطان قابوس أكد على أهمية كتابة التاريخ ويحب الأدب والشعر وكان المتنبي الشاعر له مكانة في نفسه وهو كثير الاستشهاد في حواره بهذا الشاعر, كما احب شكسبير فيما بعد, بعد أن ألم باللغة الإنجليزية. كما ان كتاب ( اطواق الذهب ) الذي اهداه اياه والده كان من الكتب التي لها مكانة هامة لديه. كما توجد لدى جلالته مكتبة عامرة. 
أما بالنسبة للتدريس فقد اهتم جلالته يحفظه الله بعد عودته بالتبحر في الأمور الدينية والفقهية فقد درس على يد الشيخ ابراهيم بن سيف الكندي الحديث والشريعة وغيرها من الجوانب المعرفية. ويبدأ جلالته يحفظه الله يومه في صلالة بالفروسية اذ يختار أفضل أحصنة اسطبل والده ويسابق الريح وهو بعد طفل صغير. ودلل منذ صغره على انه رجل دولة وفي حديثه وفي حبه للخير وفي عاطفته الجياشة تجاه شعبه في همومه وأمانيه وآلامه . وقد احب التاريخ لأنه ذاكرة الاجيال. 
ومن بين الامثلة التي تروي عن جلالته أنه يجلس في برزة الوالي الشيخ حمود الغافري منذ بدء البرزة صباحا وحتى نهايتها ظهرا وهو بنفس الجلسة لا يعدلها ولا يسترخي. رغم انه قادم لتوه من بريطانيا بكل الرفاهية والحياة الناعمة فيها.. ولكنها لم تؤثر في جلالته فكان دوما أسدا عمانيا وفارسا وملكا في هيئته وهيبته في سماحته وعفوه وخلقه الجم.
وقد تربت هذه الخصال وترعرعت هذه السمات وحين تولى مقاليد الأمور زانها من زينته وزاد فيها عمقا ونضجا. وهي اليوم عناوين بارزة في ملامحه ومفاتيح شخصيته بكل الانسانية الرائعة التي تعطر موقعه كسلطان وكقائد فهو أب الاسرة العمانية ورمزها العظيم.
 
وقد أشار جلالته في أحد أحاديثه الصحفية, إلى أنه " كان إصرار والدي على دراسة ديني وتاريخ وثقافة بلدي لها عظيم الأثر في توسيع مداركي ووعيي بمسؤولياتي تجاه شعبي والإنسانية عموما. وكذلك استفدت من التعليم الغربي وخضعت لحيات الجندية وأخيرا كانت لدي الفرصة للاستفادة من قراءة الأفكار السياسية والفلسفية للعديد من مفكري العالم المشهورين ". 
 
هذه السطور البسيطة تتناول قراءة سريعة لحقبة زمنية تكتسب أهمية كبرى في تاريخ بناء عمان العصرية , هذه الحقبة التي نتناولها في سياق هذا الموضوع تبدأ من عام 1958م وحتى عام 2003 م ست سنوات من هذه الاعوام أمضى فيها جلالة السلطان قابوس المعظم- حفظه الله في طلب العلم والمعرفة في بريطانيا التي تعد مركزا رئيسيا للثقافة والعلوم المختلفة حيث كانت تلك الفترة محطة رئيسية للاعداد العملي لمستقبل عمان المشرق فمن خلال تلك السنوات نستعيد شريطا تسجيلا يعتبر على جانب كبير من الأهمية لانه يبحث عن السيرة الكريمة لست سنوات من العطاء العلمي والسهر المتواصل ابتغاء طلب العلم في شتى فروعه العسكرية والاقتصادية والسياسية والإدارية واللغات وغيرها من العلوم الأخرى .لقد كان جلالته طوال سنوات دراسته في بريطانيا وافيا صادق مع نفسه ومع الآخرين والقدوة الحسنة .. لشخصية فريدة من نوعها فله أسلوب مميز في حياته فمبدأه في الحياة: أذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب فيرى في الصمت محاسن مستمع عظيم , يسبق قوله العمل لا يحب المجاملة وانما يفضل الصراحة المبنية على الإخلاص يتمتع بذكاء خارق وقوة ملاحظة شديدة وحب العمل .ويقول أحد اللذين تشرفوا بمعاصرة جلالته خلال مرحلتين هامتين , مرحلة ما قبل الحكم وما بعد توليه الحكم في عمان فكان شاب عظيم وأصبح قائدا أعظم فمنذ صغره كان فارسا مغوارا رجل قرار وإذا وعد أوفى بوعده دون تأخير وإذا قال صدق وهذه الخصال الحميدة صفات جلالته قلما تتوفر في زعيم آخر.وقال عنه أيضا أنه أنيق في مظهره . لا يحب التملق والمدح والكذب وأيضا الفشل . وعن نظام غذائه خلال فترة اقامته معهم يقول . قد لا يصدق احد فجلالته كان يأكل كل شيء محلل في الدين الإسلامي .. فالغذاء كان عاديا جدا . الأمر الذي أدى الى الارتياح الشديد منه . فعلى أية حال كان التعامل مع جلالته تعاملا حضاريا فخلال وجوده بين زملائه في المدرسة أو المسكن كان عظيما في تعامله . ومن خصاله الحضارية الأخرى كان يذكر والده المرحوم السلطان سعيد بالمعروف والإحسان فكان بارا بوالديه حديثه عنهما بالخير ينم عن شوق لهما والحنين للوطن عمان .فجلالته رحيم بشعبه يسهر على راحتهم ويضحي براحته من أجل شعبه المخلص واعظم إنجازاته كانت بناء شعب وصنع رجال لبناء عمان المستقبل . كتبت بعض الصحف الإنجليزية مقالا عن جلالته قالت فيه " في الوقت الذي يستمتع فيه قادة الغرب في آخر الليل بقراءة كتب أدبية فأن جلالة سلطان عمان يستمتع بقراءة رسالة مواطن قدمها لجلالته يطلب فيها خدمة لمنطقته أو مساعدته في حل مشكلته فهذا المواطن يتلقى الرد على طلبه بأسرع مما نحصل عليه نحن في الغرب فالعمانيون محظوظون فزعيمهم يحب عمله ومن النادر جدا ان يوجد رجل تبدو عليه السعادة وهو يؤدي عمله".وفي عام 1960م التحق جلالة السلطان المعظم بكلية ساندهيرست العسكرية الملكية كضابط . وقد تلقى جلالته خلال فترة دراسته بهذه الكلية العسكرية الراقية التي امتدت الى قرابة سنتين علوما عسكرية تتماشى مع تطور العلوم العسكرية الحديثة وفن القتال .وكانت صحيفة (عمان) قد زارت كلية ساندهيرست العسكرية الملكية ووقفت خلال الزيارة السريعة عن كثب على الميدان الذي تدرب فيه جلالته وتخرج منه والفصول الدراسية ومواقع التدريب العسكري والغرفة التي أقام فيها جلالته في السكن الداخلي المخصص للضباط كما زارت مواقع أخرى في بناء الإنسان العسكري . وخلال العامين اللذين عاشهما جلالته في هذه المؤسسة العسكرية . كان على خلق رفيع , منضبطا , مقدرا للأوامر العسكرية دقيقا في مواعيده .وقد وصفه أحد زملائه الذين عاشوا مع جلالته في الكلية بعض الوقت بأنه كان مضربا للمثل في الكلية ويقول محمد نجيب من العراق : ان جلالته كان مثالا للضابط العربي في سلوكه الحضاري وتعامله مع زملائه ومع القادة حتى في مشيته كان في قمة التهذيب والنظام . وقال أنه في اليوم التالي من التحاقنا بالكلية عرفنا اسم قابوس حيث ألقى أحد كبار القادة العسكريين بالكلية محاضرة شرح لنا خلالها برنامج العمل ونمط الحياة . والواجبات التي يجب علينا تنفيذها ودعانا الى الاهتمام بالمظهر والاعتناء بالملابس العسكرية وهنا ضرب ذلك القائد العسكري مثلا بجلالة السلطان قابوس ووصف جلالته بأنه أفضل ضابط عسكري ملتزم ومهتم بملابسه ومن هنا انطلقت معرفتي بشخصية جلالته .
 
هكذا يعيد التاريخ نفسه ففي يوم الجمعة الثامن من شهر أبريل عام 1983 تفضل جلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة فشمل رعايته السامية الكريمة تخرج دفعتين جديدتين من الطلبة الخريجين بكلية ساندهيرست وقد رعى جلالته حفل التخرج في نفس الميدان الذي تخرج فيه جلالته عام 1962م حيث ضمت الدفعتان 308 خريجين منهم 188 من الدفعة الاولى و114 من الدفعة الثانية وكان من بين الخريجين عدد من الضباط العمانيين .
 
وقد خاطب جلالته الخريجين بقوله:" انه لمن دواعي سروري ان اشاركم فرحتك بالتخرج حيث ا نها ستكون واحدة من اكثر اللحظات التذكارية عمقا في حياتكم وباعتباري واحدا ممن سبق له الوقوف في مناسبة مماثلة في نقس المكان الذين تقفون عليه الان انني اعتقد اني اعرف شيئا من المشاعر التي تجيش في صدوركم وهي مشاعر الابتهاج بعد اكمال شهور عديدة من الجهد الشاق ومشاعر الاهتمام باحتمالات المستقبل الذي ينتظركم وربما تكون ممزوجة بمسحة الحزن لان الوقت قد حان لمغادرة هذه الاكاديمية القديمة الشهيرة التي اصبحت جزءا من حياتكم ولفراق الاصدقاء الذين تعرفتم عليهم هنا " .
 
وقال جلالته في خطابه السامي الكريم :" ان ميزة ان يكون المرء ضابطا من خريجي هذه الاكاديمية العسكرية الملكية تعتبر شيئا ربما لا يجد التقدير التام سوى من جانب ممن اسعدهم الحظ من بالانتماء الى تلك الاخوة وانني اعلم ان ادراك المرء لهل الميزة وشعوره بالعرفان يزداد بمرور السنوات ومسؤوليات الحياة التي يتعين على المرء تحملها .
وبالنسبة لي فانني اعرف ان القيم التي استوعبتها قد ضلت معي الى الابد فقد تعلمت منها ان الانضباط ليس شيئا يفرضه المرء على الآخرين لكنه شيء يتعين على المرء قبل كل شيء ان يطبقه على نفسه اذا كان جديرا بان يكون قائدا للرجال كما تعلمت المعنى الحقيقى .
 
وبالنسبة لي فانني اعرف ان القيم التي استوعبتها قد ضلت معي الى الابد فقد تعلمت منها ان الانضباط ليس شيئا يفرضه المرء على الآخرين لكنه شيء يتعين على المرء قبل كل شيء ان يطبقه على نفسه اذا كان جديرا بان يكون قائدا للرجال كما تعلمت المعنى الحقيقى للخدمة وهو ان تعطي لا تتوقع ان تأخذ شيئا كما تعلمت ان المسؤولية تؤدي الى الالتزام .
 
وعندما حان الوقت بالنسبة لي مثلكم تماما لكي اغادر الكلية شعرت باني نضجت واني استطيع مواجهة المستقبل بكل ثقة وانني واثق من انكم تشعرون اليوم بما شعرت به في ذلك اليوم ".
 
وخلال هذا الحفل الكبير تفضل جلالته وانعم على مكتبة الكلية بسيف . ويقول احد امناء المكتبة : ان ادارة الكلية قررت وضع السيف الكريم المقدم من جلالته كهدية وضعه في مكان بارز في الجهة اليمنى من المكتبة حيث صمم له مكان خاص صنع من الخشب الفاخر ويمكن لزوار المكتبة مشاهدته من خلال المرآة .
 
ومما تجدر الاشارة اليه ان هذه المكتبة تضم اكثر من 83 الف كتاب معظمها تبحث في العلوم العسكرية . ومن ناحية اخرى شهدت كلية ساندهيرست حدثا اخر حيث تم في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1978م افتتاح قاعة عمان حيث شيدت على نفقة جلالته كرد جميل من جلالته لهذه المؤسسة العسكرية حيث يضم المبنى حوضا للسباحة وملعبا داخليا لممارسة مختلف الالعاب الرياضية ومدرجا للمشاهدين يتسع لعشرات المتفرجين وقد اطلقت ادارة الكلية اسم عمان تقديرا لجلالته باعتباره احد ابرز القادة الذين خرجتهم الكلية .
 
جميع الحقوق محفوظة لعمان قابوس الالكتروني